علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي

1536

دمية القصر وعصرة أهل العصر

ولما شرعت بتحقيق الدمية حامت في ذهني مشكلة ، هي : أأشتغل بالنقد والتحقيق ؟ وهل هو بمستوى التأليف ؟ أم أنه أصعب في العمل ؟ وهل ينظر اليه من الناحية العلمية بمنظار التقدير والحفل ؟ وسرعان ما أخذ الجواب يتساوق لي حتى غدا واضحا . والواقع أن التحقيق جهد لا يستهان به ، إذا قصد صاحبه خدمة العلم والاخلاص له . وقد يأخذ وقتا أطول من التأليف ، كما أن خدمة الكتاب القديم ، وإلباسه اللَّبوس العلميّ الجديد أمر لا يقلّ بحال عن التأليف . ولا زالت أنظار العلماء تتلفت نحو المحققين وتوليهم الاحترام والتقدير الزائدين . أما من حيث المردود فالتأليف الجيد يعادل التحقيق الجيد . وقد لا حظت عددا من الأدباء يعزفون عن التحقيق استصعابا للعمل الدقيق والدأب المتواصل والكشف المضني ، كما وجدت عددا آخر يتهرب منه لاعتقاده أنّ التأليف أولى . . . وكلاهما في نظري مقصّر . غير أن الحق الذي لا مندوحة عنه أن هذه السنين الطويلة بلياليها ، التي عكفت بها على اخراج هذا الكتاب ، أشعرتني في خاتمة المطاف بقيمة عملي الذي أدّيته ولاء للعربية . ولقد أحببت أن أعود إلى لسان العرب لأرى حقيقة معنى الاسم الذي وضعه الباخرزي لكتابه ، فرأيت أن معنى « الدمية » هو الصنم ، وقيل هي الصورة المنقّشة ، ويكنى بالدمية عن المرأة كذلك ، وأن « العصرة » : الملجأ والمنجاة ، وعصر بالشيء واعتصر به : لجأ اليه ومنه قوله تعالى « يغاث الناس وفيه يعصرون » أي ينجون من البلاء « 1 » . فيكون المعنى « غانية القصر ، وملجأ أهل العصر » . وأحسب أنّه تطلَّع إلى المعنى الظاهر عندما وضع عنوان كتابه ، وهو الذي يتبادر إلى الذهن ، وهو : عروس القصر ( بين كتب الأدب ) ونخبة أهل العصر ( الذين عاصروه ) . وعانيت أكثر ما عانيت ، بعد مسألة التحقيق ، مسألة كشف الأعلام . فقد جمعت الدمية بالإضافة إلى 530 شاعرا عشرات ، بل مئات ، من الأسماء المبثوثة عبر النصوص وفي تضاعيف التراجم . فحاولت ، ما أمكن ، البحث عنها

--> « 1 » . كما أن العصرة بمعنى العطية ، أو الدنية بمعنى العرب وهو موالينا عصرة أي دنية دون من سواهم .